الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
103
مناهل العرفان في علوم القرآن
أما أن يؤمنوا برسالته ، ثم لا يصدقوه في عموم دعوته ، فذلك تناقض منهم لأنفسهم ، ومكابرة للحجة الظاهرة لهم ، « يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ » ! . 4 - شبهة أبى مسلم : النقل عن أبي مسلم مضطرب ، فمن قائل : إنه يمنع وقوع النسخ سمعا على الاطلاق . ومن قائل : إنه ينكر وقوعه في شريعة واحدة . ومن قائل : إنه ينكر وقوعه في القرآن خاصة ورجحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات ، وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما نسخ من القرآن . وأبعد الروايات عن الرجل هي الرواية الأولى ، لأنه لا يعقل أن مسلما فضلا عن عالم كأبى مسلم ينكر وقوع النسخ جملة اللهم إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط ، فإنها تهون حينئذ ، على معنى أن ما نسميه نحن نسخا ، يسميه هو تخصيصا بالزمان مثلا . وإلى ذلك ذهب بعض المحققين ؛ قال التاج السبكي : إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذي نسميه نحن نسخا ، ولكنه يتحاشى أن يسميه باسمه . ويسميه تخصيصا اه . احتج أبو مسلم بقوله سبحانه : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . وشبهته في الاستدلال أن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا . والنسخ فيه إبطال لحكم سابق . وندفع مذهب أبي مسلم وشبهته بأمور أربعة : ( أولها ) أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته ، لكان دليله قاصرا عن مدعاه ، لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ